ابن تيمية
91
مجموعة الرسائل والمسائل
من الله بل مخلوق إما في جبريل أو محمد أو جسم آخر غيرهما ، كما يقول ذلك الكلابية والأشعرية الذين يقولون : القرآن العربي ليس هو كلام الله وإنما كلامه المعنى القائم بذاته والقرآن العربي خلق ليدل على ذلك المعنى ، ثم إما أن يكون خلق في بعض الأجسام : الهواء أو غيره ، أو ألهمه جبريل فعبر عنه بالقرآن العربي ، أو ألهمه محمد فعبر عنه بالقرآن العربي ، أو يكون جبريل أخذه من اللوح المحفوظ أو غيره . فهذه الأقوال التي تقدمت هي تفريع هذا القول ، فإن هذا القرآن العربي لا بد له من متكلم تكلم به أولاً قبل أن يصل إلينا ، وهذا القول يوافق قول المعتزلة ونحوهم في إثبات خلق القرآن العربي ، وكذلك التوراة العبرية ، ويفارقه من وجهين : أحدهما أن أولئك يقولون أن المخلوق كلام الله وهم يقولون إنه ليس كلام الله لكن يسمى كلام الله مجازاً هذا قول أئمتهم وجمهورهم ، وقال طائفة من متأخريهم : بل لفظ الكلام يقال على هذا وهذا بالاشتراك اللفظي ، لكن لفظ هذا الكلام ينقض أصلهم في إبطال قيام الكلام بغير المتكلم به ، ومع هذا لا يقولون أن المخلوق كلام الله حقيقة كما يقولوه المعتزلة مع قولهم أنه كلام حقيقة ، بل يجعلون القرآن العربي كلاماً لغير الله وهو كلام حقيقة ، وهذا شر من قول المعتزلة وهذا حقيقة قول الجهمية ، ومن هذا الوجه نقول : المعتزلة أقرب ، وقول الآخرين هو قول الجهمية المحضة ، لكن المعتزلة في المعنى موافقون لهؤلاء وإنما ينازعونهم في اللفظ الثاني أن هؤلاء يقولون : لله كلام هو معنى قديم قائم بذاته والخلقية يقولون لا يقوم بذاته كلام ، ومن هذا الوجه الكلابية خير من الخلقية في الظاهر ، لكن جمهور الناس يقولون إن أصحاب هذا القول عند التحقيق لم يثبتوا كلاماً له حقيقة غير المخلوق ، فإنهم يقولون إنه معنى واحد هو الأمر والنهي والخبر ، إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً ، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة ، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً ، ومنهم من قال هو خمس معان .